الرأي الآخر و شعرة معاوية .. د.عبدالقادر اغنيه

المشكلة الأساس لمثقفي الشعوب النامية من وجهة نظري ، هي تردي البنية التحتية الاجتماعية و الأخلاقية و السياسية و الاقتصادية و العسكرية .. هذه البنية المتشققة لا يمكن أن يقام عليها بناء سليم و راسخ و شفاف و صادق .. و رغم القول بأن المثقف المزعوم لا يمكن أن يخون ثقافته ، إلا أن تحديد المثقف هنا يحتاج إلى تعريف دقيق و توصيف حقيق .. فالمثقف ليس كل من يلُم بالتاريخ و الجغرافيا و المتغيرات السياسية و يعرف كيف يتقرب للمتنفذين و القادر على إرضائهم بكل الوسائل و هو ليس فقط القادر على التلاعب بالألفاظ و المتمكن من توظيفها و تستيفها لتخرج بلباس موسيقي رنان يغري البسطاء و يغرر بالسدّج و لكن الثقافة أخلاق و مبدأ قبل كل شئ .. إنها توجه و سلوك وعقيدة لا يمكن الحيود عنها بأي حالٍ من الأحوال مادام في المثقف عِرقٌ ينبض.
    لهذا ليس أمام مثقف هذه الشعوب إلا خياران ؛ إما المجاهرة بما يعتقد و لا يخشىٰ في ذلك لومة لائم مهما كانت تصدعات البنىٰ الأساسية أو الهروب بعيداً و التقوقع في انتظار قيام القيامة ..أما من يغامر بالإفصاح عن خلجات قناعاته بدون تزويق و لا تنميق فقد يواجه حرباً شعواء قذرة وقودها الناس و الحجارة .. ذات الناس الذي أراد لهم الحياة فيريدون له الموت .. مثل هؤلاء المثقفين قد تصدمهم ردّات فعل الوسط المستهدف و بالتالي يحاولون تغيير تكتيكاتهم بطرائق أخرى قد يرونها مجدية و منها تقنية الإسقاطات ..فالإسقاط هو تقنية قوية و خطيرة في آن ، فهو أيضاً يحتاج إلى مستوى ثقافي معين لدى المتلقي و إلا فقد تكون النتيجة عكسية تماماً .. إنه كالصدمة الكهربية لإنقاذ الحياة و لكنها قد تكون مُهلكة إذا كانت الجرعة المعطاة لا تتناسب مع البنية الصحية للمريض .
   لاحظت هذا من خلال خواطري و ردّات فعل المتابعين الكرام و الذين تعودت على تعليقاتهم في اتجاه معين و بطريقة واحدة و واحدة فقط و عايشت عدم قبولهم لطرائق أخرىٰ و إن كانت تصل إلى نفس الهدف في النهاية .. هذا هو مأزق الثقافة النامية ..
   يحدثونك عن قبول ثقافة الرأي الآخر و يقولون بأنها لا تُفسد للود قضية و لكنهم سرعان ما يتحولون إلى وحوشٍ ضارية بمجرد ما يعتقدونه انحراف في البوصلة ..
البوصلة الحقيقية لا انحراف لها و لا فيها و ما يعتقده البعض بأنه انحراف إنما يقع في بويصلاتهم الذاتية أو بصيلاتهم الذهنية التي يريدون تعميمها على الآخر.
   المثقف لا عدو له إلا الجهل و التخلف إما ما عداه من ثقافات و أفكار فإنه يستوعبها و يحتويها باعتبارها جزءاً من الثقافة الشاملة.
    و عوداً على تقنية الإسقاط فهي ببساطة لن تكون ناجحة و ناجعة إلا إذا توفر الحد المقبول من التوافق بين المرسل و المتلقي و بالتالي فهي أيضاً تقنية محفوفة بالمخاطر و الردة .. فالإسقاط هو تعطيل أجزاء مهمة من عوامل التغيير و الإبقاء على العامل قيد الدراسة نظراً لبروزه كعنصر مؤثر بالسلب أو بالإيجاب و هذا بالطبع لا يعني إن العناصر الأخرى غير موجودة و غير مؤثرة و لكنها موقوفة في لحظةٍ زمنية محددة لإبراز دور العنصر قيد البحث ..و بين الإسقاط و الإحباط توجد مسافة صغيرة يجب عدم تجاوزها و الحفاظ عليها كالحفاظ على شعرة معاوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *